ابن قيم الجوزية
39
الوابل الصيب من الكلم الطيب
وفي الترمذي عن أنس « أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا : يا رسول الله ، وما رياض الجنة ؟ قال حلق الذكر » . وفي الترمذي أيضاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الله عز وجل أنه يقول « إن عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه » ، وهذا الحديث هو فصل الخطاب والتفصيل بين الذاكر والمجاهد ، فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد والمجاهد الغافل ، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى . فأفضل الذاكرين المجاهدون ، وأفضل المجاهدين الذاكرون . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون } فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معاً ليكونوا على رجاء من الفلاح ، وقد قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً } وقال تعالى : { والذاكرين الله كثيرا والذاكرات } أي كثيراً وقال تعالى : { فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً } ، ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله عز وجل كانت عليه لا له وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله . وقال بعض العارفين : لو أقبل عبد على الله تعالى كذا وكذا سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته أعظم مما حصله . وذكر البيهقي عن عائشة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال « ما من ساعة تمر بأبن آدم لا يذكر فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة » .